الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

62

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تتحد فيه الطباع أو تختلف فيه . وأرفع الملابس في الدنيا الحرير ، والحرير كلما كان ثوبه أثقل كان أرفع فإذا أريد ذكر هذا فالأحسن أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح ، وذلك ليس إلا الإستبرق ولا يوجد في العربية لفظ واحد يدل على ما يدل عليه لفظ إستبرق . هذه خلاصة كلامه على تطويل فيه . و ( من ) في قوله : مِنْ سُنْدُسٍ للبيان . وقدم ذكر الحلي على اللباس هنا لأن ذلك وقع صفة للجنات ابتداء ، وكانت مظاهر الحلي أبهج للجنات ، فقدم ذكر الحلي وأخر اللباس لأن اللباس أشد اتصالا بأصحاب الجنة لا بمظاهر الجنة ، وعكس ذلك في سورة الإنسان في قوله : عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ [ الإنسان : 21 ] لأن الكلام هنالك جرى على صفات أصحاب الجنة . وجملة مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ في موضع الحال من ضمير يَلْبَسُونَ . والاتكاء : جلسة الراحة والترف . وتقدم عند قوله تعالى : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً في سورة يوسف عليه السلام [ 31 ] . والأرائك : جمع أريكة . وهي اسم لمجموع سرير وحجلة . والحجلة : قبة من ثياب تكون في البيت تجلس فيها المرأة أو تنام فيها . ولذلك يقال للنساء : ربات الحجال . فإذا وضع فيها سرير للاتكاء أو الاضطجاع فيه أريكة . ويجلس فيها الرجل وينام مع المرأة ، وذلك من شعار أهل الترف . وجملة نِعْمَ الثَّوابُ استئناف مدح ، ومخصوص فعل المدح محذوف لدلالة ما تقدم عليه . والتقدير : نعم الثواب الجنات الموصوفة . وعطف عليه فعل إنشاء ثان وهو وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً لأن ( حسن ) و ( ساء ) مستعملان استعمال ( نعم ) و ( بئس ) فعملا عملهما . ولذلك كان التقدير : وحسنت الجنات مرتفقا . وهذا مقابل قوله في حكاية حال أهل النار وَساءَتْ مُرْتَفَقاً . والمرتفق : هنا مستعمل في معناه الحقيقي بخلاف مقابله المتقدم . [ 32 - 36 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 32 إلى 36 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً ( 32 ) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ( 33 ) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً ( 34 ) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً ( 35 ) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ( 36 )